خلف الابتسامات الدبلوماسية وعدسات الكاميرات التي وثقت توقيع "الاتفاق الإطاري الثلاثي" في العاصمة الأميركية، يختبئ واقع سياسي شديد القسوة. في ظاهره، يبدو الاتفاق طوق نجاة لبلد غارق في دمائه، لكن القراءة المتأنية لما بين السطور، وتتبع أرقام فقراته بعيدًا عن الاستعراض الإعلامي، تكشف عن وثيقة كُتبت بحبر أميركي-إسرائيلي، لتضع لبنان أمام مسار إجباري لا يخلو من فخاخ سياسية وميدانية تتقاطع عندها مصالح القوى الكبرى.
سراب السيادة المشروطة (الفقرات 1، 2، 4، 5)
يُسوّق الاتفاق لنفسه في (الفقرة 1) بوصفه ضامنًا لسيادة لبنان وانسحاب الجيش الإسرائيلي. لكن هذا المنطق يعاني خللًا بنيويًّا خطيرًا؛ إذ تربط (الفقرة 2) هذا الانسحاب صراحةً بـ"التحقق من نزع سلاح الجماعات المسلحة" وتفكيك بنيتها التحتية. هذا الشرط التعجيزي يطلب من الجيش اللبناني إنجاز ما عجزت عنه الآلة العسكرية الإسرائيلية ذاتها. وبما أن تجريد "حزب الله" من سلاحه طوعًا يبدو مستحيلًا، فإن هذا البند يمنح تل أبيب ذريعة قانونية ذهبيّة للبقاء في الأراضي اللبنانية.
وما يؤكد نوايا تل أبيب الخبيثة والمبيّتة، ولم يكد حبر الاتفاق يجف، حتى نسف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو جوهره (الفقرة 5) بضربة واحدة. عبر إعلانه أن إسرائيل ستبقى في "المنطقة الأمنية" جنوبي لبنان، وأنها لن تسمح للسكان النازحين بالعودة، بما يتناقض تمامًا مع ادعاء الوثيقة في فقرتها الخامسة بأن تل أبيب "لا تضمر أطماعًا إقليمية". فنتنياهو لا يفاوض للانسحاب، بل يسعى لتكريس شريط حدودي محتل يشبه حقبة ما قبل عام ألفين، ولكن هذه المرة بغطاء أميركي وتوقيع لبناني يشرعن هذا الاحتلال المقنع تحت ذريعة الأمن المفقود.
المناطق التجريبية وفخ الصدام الداخلي (الفقرة 3)
تتجلى خطورة الاتفاق في ابتكار ما سُمي بـ"المنطقتين التجريبيتين" المذكورتين في (الفقرة 3)، حيث يُفترض أن يبسط الجيش اللبناني سيطرته المطلقة. الزاوية الغائبة هنا هي هندسة هذا الانتشار؛ فدفع الجيش ليكون حارسًا حدوديًّا لاسرائيل ووضعه في مواجهة مباشرة مع بيئة "حزب الله" الحاضنة لنزع سلاحه، يؤسس فعليًّا لحرب داخليّة بقرار دولي. وما يزيد المشهد قتامة تصريح وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بتخصيص ثلاثين مليون دولار للجيش اللبناني. هذا الرقم الهزيل الّذي يثير السخرية وإهانة سياسية للبنان وللمؤسّسة العسكريّة، لا يكفي لتسليح كتيبة واحدة، وكأن واشنطن تطلب من جيش نظامي خوض حرب طاحنة بالوكالة بأبخس الأثمان.
شيكات بلا رصيد وحق "الدفاع" المفتوح (الفقرتان 7، 10)
وفي محاولة لتجميل الاتفاق، تغدق (الفقرة 10) وعودًا براقة حول "حشد مساعدات كبيرة لإعادة الإعمار" والتعافي الاقتصادي. لكن هذا الطرح يمثل انحيازًا عاطفيًّا مفرطًا للتفاؤل، إذ يخلو تمامًا من أيّ آليات ماليّة دوليّة مُلزمة، مما يجعله مجرد شيكات بلا رصيد وحبر على ورق. في المقابل الميداني، تمنح (الفقرة 7) إسرائيل حق "الدفاع عن النفس"، وهو بند فضفاض يشرعن قانونيًّا ودوليًّا أيّ ضربة استباقيّة أو اختراق واستباحة للأجواء اللبنانيّة مستقبلاً، محولًا لبنان إلى صندوق بريد عسكري مفتوح.
انقسام لبناني حاد في الداخل
يعيش لبنان تمزقًا مأساويًّا تجاه هذه الوثيقة. فالدولة، ممثلة بالرئيس جوزاف عون والفريق الداعم له، ترى في الاتفاق ممرًّا إجباريًّا وواقعيًّا لوقف التدمير الممنهج، مفضلة التضحية بالسلاح لإنقاذ هيكل الدولة. في المقابل، ترفض بيئة الحزب الحاضنة والقوى المتحالفة معها هذا المسار رفضًا قاطعًا، معتبرة إياه صك استسلام يلغي معادلة الردع التاريخيّة، مما يجعل تنفيذ الاتفاق على الأرض مقامرة محفوفة بالمخاطر.
طهران ترفض الفصل
في هذا السياق، تمثل إيران العقدة الأكبر في هذا المسار. فرغم محاولات الرئيس عون فصل أزمة البلاد عن مسار المحادثات الأميركية-الإيرانية المعقدة، من المؤكّد أنّ طهران ستكون رافضة لهذا الطرح كليًّا. بالنسبة للقيادة الإيرانية، سلاح "حزب الله" ليس شأنًا لبنانيًّا داخليًّا ليفاوض عليه رئيس الجمهوريّة، بل هو ركن أساسي في منظومة الردع الإيرانيّة. لذلك، ستعمل على عرقلة المفاعيل الميدانيّة للاتفاق لمنع تسليم السلاح، لتعيد أوراق اللعبة التفاوضية إلى يدها في مواجهتها المفتوحة مع واشنطن.
البدائل المحتملة
لا يمكن اعتبار "الإطار الثلاثي" خطة سلام مستدامة، بل هو وصفة لانفجار مؤجل؛ فهو يمنح إسرائيل رخصة استدامة للاحتلال، ويوفر للإدارة الأميركية نصرًا إعلاميًّا، بينما يترك لبنان عالقًا بين الانزلاق نحو صدام داخلي أو القبول باحتلال دائم.
أما عن احتمالات إيجاد حلول بديلة مقبولة من الفريقين اللبناني والإسرائيلي، فتبدو معقدة ولكنها ليست مستحيلة. فالحل البديل والأكثر واقعية لتجنب الانفجار يكمن في التخلي عن شرط "النزع الكامل والفوري للسلاح" الذي تدرك إسرائيل استحالته، والعودة إلى صيغة معدّلة ومطوّرة من القرار 1701. يعتمد هذا البديل على مبدأ "الإبعاد التكتيكي"؛ أيّ انسحاب قوات النخبة التابعة للحزب وبنيته الثقيلة إلى شمال نهر الليطاني، مقابل انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية، مع نشر قوات للجيش اللبناني معززة بآليّات مراقبة دوليّة صارمة ومستقلّة. هذه التسوية "الرماديّة" تحفظ ماء وجه تل أبيب أمنيًّا، وتجنّب لبنان الكأس المرة لحرب داخليّة يسعى الاتفاق الحالي لدسّها في تفاصيله، مؤجلةً الحسم في سلاح الحزب إلى طاولة حوار وطني طويل الأمد.




















































